سيد محمد طنطاوي
252
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمراد بالسراج الوهاج : الشمس ، وصفت بكونها سراجا ، لأنها كالمصباح في إضاءته لما حوله . ووصف السراج بأنه وهاج ، مبالغة في شدة ضيائه ولمعانه ، من الوهج - يفتح الواو والهاء - بمعنى شدة الضياء . . والكلام على التشبيه البليغ ، والمقصود منه تقريب صفة المشبه إلى الأذهان ، وإلا فالشمس أعظم من كل سراج . أي : وأنشأنا وأوجدنا - بقدرتنا ومنتنا - في السماء ، سراجا زاهرا مضيئا . . هو الشمس المتوهجة من شدة حرارتها وضيائها ، والتي تشرق على هذا الكون فتحول ظلامه إلى نور ، بقدرته - تعالى - . أما الدليل التاسع على قدرته - تعالى - على البعث ، فنراه في قوله - تعالى - : * ( وأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً ، لِنُخْرِجَ بِه حَبًّا ونَباتاً . وجَنَّاتٍ أَلْفافاً ) * . والمعصرات - بضم الميم وكسر الصاد - السحب التي تحمل المطر ، جمع معصرة - بكسر الصاد - اسم فاعل ، من أعصرت السحابة إذا أوشكت على إنزال الماء لامتلائها به . . قال ابن كثير : عن ابن عباس : « المعصرات » الرياح . لأنها تستدر المطر من السحاب . . وفي رواية عنه أن المراد بها : السحاب ، وكذا قال عكرمة . . واختاره ابن جرير . . وقال الفراء : هي السحاب التي تتحلب بالماء ولم تمطر بعد ، كما يقال : امرأة معصر ، إذا حان حيضها ولم تحض بعد . وعن الحسن وقتادة : المعصرات : يعنى السماوات . وهذا قول غريب ، والأظهر أن المراد بها السحاب ، كما قال - تعالى - : اللَّه الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُه فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ . ويَجْعَلُه كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِه . . « 1 » . والثجاج : المندفع بقوة وكثرة ، يقال : ثج الماء - كرد - إذا انصب بقوة وكثرة . ومطر ثجاج ، أي : شديد الانصباب جدا . وقوله : * ( أَلْفافاً ) * اسم جمع لا واحد له من لفظه ، كالأوزاع للجماعات المتفرقة . وقيل : جمع لفيف ، كأشراف وشريف . أي : وأنزلنا لكم - يا بني آدم - بقدرتنا ورحمتنا - من السحائب التي أوشكت على الإمطار ، ماء كثيرا متدفقا بقوة ، لنخرج بهذا الماء حبا تقتاتون به - كالقمح والشعير . . ونباتا تستعملونه لدوابكم كالتبن والكلأ ، ولنخرج بهذا الماء - أيضا بساتين قد التفت أغصانها لتقاربها وشدة نمائها .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 327 .